الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
47
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
اللّه . وأذن : فعل مشتق من اسم الأذن وهي جارحة السمع ، فأصل معنى أذن له : أمال أذنه ، أي سمعه إليه يقال : أذن يأذن أذنا كفرح ، ثم استعمل في لازم السمع وهو الرضى بالمسموع فصار أذن بمعنى رضي بما يطلب منه أو ما شأنه أن يطلب منه ، وأباح فعله ، ومصدره إذن بكسر الهمزة وسكون الذال فكأنّ اختلاف صيغة المصدرين لقصد التفرقة بين المعنيين . ومتعلق أَذِنَ محذوف دل عليه لا يَتَكَلَّمُونَ ، أي من أذن له في الكلام . ومعنى أذن الرحمن : أن من يريد التكلم لا يستطيعه أو تعتريه رهبة فلا يقدم على الكلام حتى يستأذن اللّه فأذن له ، وإنما يستأذنه إذا ألهمه اللّه للاستئذان فإن الإلهام إذن عند أهل المكاشفات في العامل الأخروي فإذا ألقى اللّه في النفس أن يستأذن استأذن اللّه فأذن له كما ورد في حديث الشفاعة من إحجام الأنبياء عن الاستشفاع للناس حتى يأتوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم قال في الحديث : « فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي عزّ وجل ثم يفتح اللّه عليّ من محامد وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقول : ارفع رأسك واشفع تشفّع » . وقد أشار إلى هذا قوله تعالى : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [ الأنبياء : 28 ] ، أي لمن علموا أن اللّه ارتضى قبول الشفاعة فيه وهم يعلمون ذلك بإلهام هو من قبيل الوحي لأن الإلهام في ذلك العالم لا يعتريه الخطأ . وجملة وَقالَ صَواباً يجوز أن تكون في موضع الحال من اسم الموصول ، أي وقد قال المأذون له في الكلام صَواباً ، أي بإذن اللّه له في الكلام إذا علم أنه سيتكلم بما يرضي اللّه . ويجوز أن تكون عطفا على جملة أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ ، أي وإلا من قال صوابا فعلم أن من لا يقول الصواب لا يؤذن له . وفعل وَقالَ صَواباً مستعمل في معنى المضارع ، أي ويقول صوابا ، فعبر عنه بالماضي لإفادة تحقق ذلك ، أي في علم اللّه . وإطلاق صفة الرَّحْمنُ على مقام الجلالة إيماء إلى أن إذن اللّه لمن يتكلم في الكلام أثر من آثار رحمته لأنه أذن فيما يحصل به نفع لأهل المحشر من شفاعة أو استغفار .